حبيب الله الهاشمي الخوئي
17
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ولا دعامة من تحتها ، بل يكفي في ذلك ما أعطاها فالقها ، وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته * ( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِه ِ ) * . ومنها - توسّطها في الصلابة واللَّين : * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها ) * . إذ لو كانت في غاية الصلابة كالحجر لكان المشي والنوم عليها ممّا يولم البدن ولتعذرت الزراعة عليها ولا متنع إجراء الأنهار وحفر الآبار فيها ولم يمكن اتخاذ الأبنية والآنية منها لتعذّر تركيبها ، ولو كانت في غاية اللين بحيث تغوص فيه الرّجل كالماء لا متنع الاستقرار والافتراش والنوم والمشي واستحال الزرع والحرث ومنها أنه جعل لونها الغبراء لتكون قابلة للانارة والضياء إذ ما كان في غاية اللَّطافة والشفّافية لا يستقرّ النور عليه ، وما كان كذلك فإنه لا يتسخّن بالشمس فكان يبرد جدّا ولا يمكن جواره ، هكذا قال الرازي وصدر المتألهين . والأولى ما في شرح البحراني « قد » من أنها لو كانت مخلوقة في غاية الشفافية واللطافة فامّا أن تكون مع ذلك جسما سيّالا كالهواء لم يتمكن من الاستقرار عليه ، أو يكون جسما ثابتا صقيلا براقا احترق الحيوان وما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس عليها كما يحرق القطن إذا قرب من المرايا المحاذية للشّمس والبلور ، لكنها خلقها غبراء ليستقرّ النّور على وجهها فيحصل فيها نوع من السخونة ، وخلقها كثيفة لئلَّا تنعكس الأشعة منها على ما فيها فتحرقه ، فصارت معتدلة في الحرّ والبرد تصلح أن تكون فراشا ومسكنا للحيوان ومنها كونها يتولَّد منها النبات والحيوان والمعادن * ( وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) * .